قال الله تعالى:
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾
سورة قصيرة في عدد آياتها، عظيمة في معانيها، ترسم أمامنا مشهدًا واضحًا لعلاقة الإنسان بالنعم التي تحيط به.
فالله سبحانه يذكّر قريشًا بما اعتادوه من نعمةٍ ربما ألفوها حتى لم يعودوا يشعرون بعظمها: رحلات التجارة في الشتاء والصيف، وما صاحبها من تيسيرٍ وأمان واستقرار في معيشتهم.
لم تكن قريش تعيش مجرد حياة تجارية عادية؛ بل هيّأ الله لها من المكانة ما جعلها تنتقل في رحلاتها، وتضرب في البلاد طلبًا للرزق، بينما كان البيت الحرام مصدر أمنٍ ومكانةٍ لهم.
وهنا يأتي التذكير الإلهي:
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾
كأن المعنى: إذا عرفتم هذه النعم، وعلمتم أنها ليست من أنفسكم ولا بقدرتكم وحدكم، فاعرفوا صاحبها واعبدوه.
وهذه من أعظم القواعد التي تعلّمنا إياها السورة: أن النعمة ليست غايةً في ذاتها، وإنما ينبغي أن تقود إلى المنعِم.
ثم تختصر السورة جانبًا عظيمًا من نعم الله في أمرين يمسان أصل حياة الإنسان:
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾
فالغذاء يحفظ البدن، والأمن يحفظ الحياة.
وقد يظن الإنسان أن النعم هي المال الكثير، والبيت الواسع، وتعدد أسباب الراحة؛ بينما تلفت السورة نظره إلى نعم قد لا ينتبه إليها إلا حين يفقدها:
أن يجد طعامه حين يجوع،
وأن ينام آمنًا حين يخاف،
وأن يتحرك ويعمل ويسافر دون أن يكون الخوف ملازمًا له.
الأمن نعمة. والرزق نعمة. والاستقرار نعمة.
والأعجب أن الإنسان قد يعتاد هذه النعم حتى تصبح في عينه أشياء عادية، لا تستحق الوقوف عندها.
يستيقظ في بيته آمنًا، يجد طعامه، يذهب إلى عمله، يعود إلى أهله، ثم يمضي يومه وكأن شيئًا من ذلك لم يكن نعمة تستحق الحمد.
لكن سورة قريش ترشدنا إلى معنى آخر:
تأمل ما اعتدته… وسترى كم فيه من فضل الله.
والسورة كذلك تربط بين الرزق والأمن والعبادة؛ فلا ينبغي أن تجعلنا النعم أكثر غفلة عن الله، بل ينبغي أن تجعلنا أكثر افتقارًا إليه وشكرًا له.
فليس السؤال فقط: كم أملك؟
بل: من الذي أطعمك حين جعت؟ ومن الذي أمّنك حين خاف غيرك؟ ومن الذي يسّر لك أسباب رزقك؟
ولهذا جاء الأمر بعد ذكر النعم مباشرة:
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾
فالنعمة تقتضي الشكر، وأعظم الشكر أن تُصرف النعمة في طاعة الله، وأن يُعبد سبحانه وحده.
وتأتي مناسبة السورة لما قبلها، سورة الفيل، في غاية الدقة؛ فسورة الفيل تذكّر قريشًا بكيف حفظ الله البيت الحرام وردّ عنه أصحاب الفيل، ثم تأتي سورة قريش لتذكّرهم بما ترتب على ذلك من أمنٍ ورزقٍ واستقرار.
حماية البيت كانت سببًا في أمنهم، وأمنهم كان سببًا في تيسير رحلاتهم ورزقهم.
ولعل من أجمل ما نتعلمه من السورة أن أكثر النعم تأثيرًا في حياتنا هي أحيانًا أكثرها خفاءً بسبب الاعتياد.
قد لا تشعر بنعمة الأمن لأنك تعيش فيه، ولا بنعمة الطعام لأنك تجده، ولا بنعمة القدرة على العمل والسعي لأنك اعتدتها.
لكن لو سُلبت واحدة منها، لأدركت كم كنت غارقًا في فضل الله.
لذلك لا تنتظر فقد النعمة حتى تعرف قدرها.
انظر اليوم إلى ما بين يديك، وقل بقلب حاضر:
هذا رزق من الله… وهذا أمن من الله… وهذه حياة يسّرها الله.
ثم اسأل نفسك:
هل قادتني هذه النعم إلى شكر المنعِم، أم جعلتني أنشغل بها عن المنعِم؟
شاركنا في التعليقات: ماذا تعلمت من السورة؟
انضم الآن لقناة الواتساب عبر هذا الرابط
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy